
مسيرة الحياة الشاقة
بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
تجاوزتُ كلّ شيء… ولكنّي ما عادت لديّ القدرة أن أرجع لنفسي التي ضاعت
لقد كانت الحياةُ مسيرةً شاقةً ومضنية، خُضتُ فيها غمار التجارب والمحن، وسِرْتُ في دروبٍ لم تكن مفروشةً با
لورود، بل كانت مليئةً بالأشواك والعقبات. اجتهدتُ، وكافحتُ، وصمدتُ، وفي نهاية المطاف، أستطيع أن أعلنَ بصدقٍ أنني “تَجـاوَزْتُ كُـلَّ شَـيء”. تجاوزتُ الألَمَ الذي مزّقَ الروحَ، والخذلانَ الذي هشَّمَ الثقةَ، والصِعابَ التي كادت أن تُطفئَ شعلةَ الأملِ في صدري. لقد نجحتُ في عبورِ الجسورِ المُحطّمةِ، وتسلُّقِ الجبالِ الشاهقةِ، وتركتُ خلفي أعباءً ثقيلةً كادت أن تسحقَني تحت وطأتها. كلُّ ندبةٍ على روحي هي شاهدٌ صامتٌ على معركةٍ انتصرتُ فيها، وكلُّ دمعةٍ جفّت هي دليلٌ على أنني استنفدتُ مخزونَ الحُزنِ حتى بَلغتُ مرحلةَ التطهُّرِ والصفاءِ.
ولكن، وكما لكلِّ انتصارٍ ثمنٌ باهظ، فإن ثمنَ نجاتي كان أفدحَ مما تصوّرتُ. ففي خضمِّ هذا العبورِ والتجاوزِ، وفي غمرةِ البحثِ عن سُبلِ الصمودِ والاستمرار، اضطررتُ أن أُجرّدَ نفسي من الكثيرِ من الطبقاتِ التي كانت تُشكّلُ ماهيَّتي. لقد كانت كلُّ محطةٍ أُودّعُ فيها جزءًا من ماضيَّ، هي في الوقتِ ذاته وداعٌ لجزءٍ من نفسي. تلك النفسُ التي كانت تملؤها البراءةُ والتلقائية، التي كانت ترى العالمَ بمنظارٍ أكثرَ صفاءً وسذاجةً، والتي كانت تمتلكُ شجاعةَ الاندفاعِ دونَ خوفٍ من العواقب.
اليوم، أقفُ على أرضٍ صُلبةٍ، متجاوزًا كلَّ الأزمات، ولكنّي أقفُ كغريبٍ عن ذاتي. تلك الذاتُ القديمةُ قد ذابت، تلاشت، أو ربما دُفنت عميقًا تحت ركامِ الخبراتِ القاسية. وها أنا الآنَ أُناديها، أبحثُ عنها في دهاليزِ الذاكرة، ولكنَّ الصدى لا يعودُ إلا بالفراغ. أُدرِكُ أنني تغيرتُ، وأن التغييرَ كان ضروريًا للبقاء، ولكنه أورثني شعورًا عميقًا بالاغترابِ عن الأصلِ والجوهر.
لقد بلغتُ مرحلةً مؤلمةً من الإدراكِ وهي: “ما عادَت لَـديَّ القُـدرَةُ أَنْ أَرْجِعَ لِنَفْسِي الَّتي ضـاعَت.” إنها ليست مسألةَ رغبةٍ، بل هي عجزٌ حقيقيٌّ وشللٌ في الروح. كيف يمكنُ لشجرةٍ اقتُلِعَت من جذورِها ثم زُرِعَت في تربةٍ أخرى أن تعودَ إلى وضعها الأول؟ هي تنمو، وتُزهِر، ولكنها ليست هي ذاتُها، فجذورُها الأولى قد اضمحلّت، وتكوينُها قد اختلف.
.القوّةُ التي استخدمتُها للتجاوزِ استُهلِكَت حتى لم يتبقَّ منها طاقةٌ للرجوعِ إلى الوراءِ، أو حتى للنبشِ في الأطلالِ لاستردادِ جوهرٍ قديم. لقد أصبحتُ كيانًا جديدًا، مُجبَرًا على التكيفِ مع هذا الشكلِ المُستحدَث، بملامحهِ الجديةِ، ونظراتهِ الحذرة، وقلبهِ الذي تعلّمَ كيف يقسو كي لا يُكسَر مرةً أخرى.
إنني أحملُ في داخلي حنينًا مُرًّا لتلكَ النفسِ البسيطةِ التي كانت، ولكني أُدركُ أنَّ محاولةَ إعادتها هي محاولةٌ لإحياءِ الموتى. لقد ضاعتْ في زحامِ الحياةِ، تخلّفتْ عن الركبِ في خضمِّ المعركة، واليومَ، ليس أمامي سوى المضيِّ قدمًا بهذا الكيانِ الجديدِ، وتقبُّلِ حقيقةِ أنَّ النجاةَ لم تكن خروجًا بلا خسائر، بل كانت مبادلةً للذاتِ القديمةِ بذاتٍ قادرةٍ على البقاءِ والعبور، وإن كانت أكثرَ صلابةً وأقلَّ حيويةً.
فهل أستطيعُ أن أجدَ في هذا التجاوزِ والنجاةِ، رغمَ الثمنِ الفادح، فرصةً لبناءِ “أنا” جديدةٍ لا تحتاجُ إلى الماضي لتكونَ كاملة؟ ربما يجبُ عليَّ الآنَ أن أُركّزَ طاقاتي ليس على استعادةِ ما ضاع، بل على احتضانِ ما تبقّى، وصياغةِ جوهرٍ جديدٍ يتّسِمُ بالحكمةِ المكتسبةِ من تلكَ الرحلةِ الطويلةِ والشاقة.





